محمد بن جرير الطبري

401

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ، ويتأول هذه الآية : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر أنه قال : " إنما نزلت هذه الآية : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعا ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة " . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها ، فصلوا على أنحاء مختلفة ، فقال الله عز وجل لهم : لي المشارق والمغارب ، فأنى وليتم وجوهكم فهنا لك وجهي ، وهو قبلتكم ؛ معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا أبو الربيع السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه عامر بن ربيعة ، قال : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة ، فنزلنا منزلا ، فجعل الرجل يأخذ الأَحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه . فلما أصبحنا ، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة ، فقلنا : يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله عز وجل : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ " . حدثني المثنى ، قال : حدثني الحجاج ، قال : ثنا حماد ، قال : قلت للنخعي : إني كنت استيقظت أو قال أوقظت ، شك الطبري فكان في السماء سحاب ، فصليت لغير القبلة . قال : مضت صلاتك ، يقول الله عز وجل : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي عن أشعث السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه عامر بن ربيعة ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة في سفر ، فلم ندر أين القبلة فصلينا ، فصلى كل واحد منا على حياله . ثم أصبحنا فذكرنا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي ؛ لأَن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازعوا في أمره من أجل أنه مات قبل أن يصلي إلى القبلة ، فقال الله عز وجل : المشارق والمغارب كلها لي ، فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريدني به ويبتغي به طاعتي ، وجدني هنا لك . يعني بذلك أن النجاشي وإن لم يكن صلى إلى القبلة ، فإنه قد كان يوجه إلى بعض وجوه المشارق والمغارب وجهه ، يبتغي بذلك رضا الله عز وجل في صلاته . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا هشام بن معاذ ، قال : حدثني أبي ، عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه " قالوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصلي على رجل ليس بمسلم قال : فنزلت : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ قال قتادة : فقالوا إنه كان لا يصلي إلى القبلة ، فأنزل الله عز وجل : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك : أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكا وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك ؛ إعلاما منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق ، وأن على جميعهم إذ كان له ملكهم طاعته فيما أمرهم ونهاهم ، وفيما فرض عليهم من الفرائض ، والتوجه نحو الوجه الذي وجهوا إليه ، إذ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم . فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب ، والمراد به من بينهما من الخلق ، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه ، كما قيل : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ وما أشبه ذلك . ومعنى الآية إذا : ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء ، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته ؛ فولوا وجوهكم أيها المؤمنون نحو وجهي ، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي . فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة ، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة ؟ فالصواب فيه من القول أن يقال : إنها جاءت مجيء العموم ، والمراد الخاص